تخطي إلى المحتوى
الآية الكريمة قيد الدراسة

وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

العمود 1

وقوله : ( وفي الأرض قطع متجاورات ) أي : أراض تجاور بعضها بعضا ، مع أن هذه طيبة تنبت ما ينتفع به الناس ، وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئا . هكذا روي عن ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، وغيرهم .

وكذا يدخل في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض ، فهذه تربة حمراء ، وهذه بيضاء ، وهذه صفراء ، وهذه سوداء ، وهذه محجرة وهذه سهلة ، وهذه مرملة ، وهذه سميكة ، وهذه رقيقة ، والكل متجاورات . فهذه بصفتها ، وهذه بصفتها الأخرى ، فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار ، لا إله إلا هو ، ولا رب سواه .

وقوله : ( وجنات من أعناب وزرع ونخيل ) يحتمل أن تكون عاطفة على ) جنات ) فيكون ( وزرع ونخيل ) مرفوعين . ويحتمل أن يكون معطوفا على أعناب ، فيكون مجرورا; ولهذا قرأ بكل منهما طائفة من الأئمة .

وقوله : ( صنوان وغير صنوان ) الصنوان : هي الأصول المجتمعة في منبت واحد ، كالرمان والتين وبعض النخيل ، ونحو ذلك . وغير الصنوان : ما كان على أصل واحد ، كسائر الأشجار ، ومنه سمي عم الرجل صنو أبيه ، كما جاء في الحديث الصحيح : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر : " أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه ؟ " .

وقال سفيان الثوري ، وشعبة ، عن أبى إسحاق ، عن البراء ، رضي الله عنه : الصنوان : هي النخلات في أصل واحد ، وغير الصنوان : المتفرقات . وقاله ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .

وقوله : ( يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) قال الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) قال : " الدقل والفارسي ، والحلو والحامض " . رواه الترمذي وقال : حسن غريب .

أي : هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع ، في أشكالها وألوانها ، وطعومها وروائحها ، وأوراقها وأزهارها .

فهذا في غاية الحلاوة وذا في غاية الحموضة ، وذا في غاية المرارة وذا عفص ، وهذا عذب وهذا جمع هذا وهذا ، ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن الله تعالى . وهذا أصفر وهذا أحمر ، وهذا أبيض وهذا أسود وهذا أزرق . وكذلك الزهورات مع أن كلها يستمد من طبيعة واحدة ، وهو الماء ، مع هذا الاختلاف الكبير الذي لا ينحصر ولا ينضبط ، ففي ذلك آيات لمن كان واعيا ، وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار ، الذي بقدرته فاوت بين الأشياء وخلقها على ما يريد; ولهذا قال تعالى : ( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون )

العمود 2
ومن الآيات على كمال قدرته وبديع صنعته أن جعل { فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ } فيها أنواع الأشجار { مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ } وغير ذلك، والنخيل التي بعضها { صِنْوَانٌ } أي: عدة أشجار في أصل واحد، { وَغَيْرُ صِنْوَانٍ } بأن كان كل شجرة على حدتها، والجميع { يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ } وأرضه واحدة { وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ } لونا وطعما ونفعا ولذة؛ فهذه أرض طيبة تنبت الكلأ والعشب الكثير والأشجار والزروع، وهذه أرض تلاصقها لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء، وهذه تمسك الماء ولا تنبت الكلأ، وهذه تنبت الزرع والأشجار ولا تنبت الكلأ، وهذه الثمرة حلوة وهذه مرة وهذه بين ذلك. فهل هذا التنوع في ذاتها وطبيعتها؟ أم ذلك تقدير العزيز الرحيم؟ { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي: لقوم لهم عقول تهديهم إلى ما ينفعهم، وتقودهم إلى ما يرشدهم ويعقلون عن الله وصاياه وأوامره ونواهيه، وأما أهل الإعراض، وأهل البلادة فهم في ظلماتهم يعمهون، وفي غيهم يترددون، لا يهتدون إلى ربهم سبيلا ولا يعون له قيلا.
العمود 3
وفي الأرض قطع يجاور بعضها بعضًا، منها ما هو طيِّب يُنبتُ ما ينفع الناس، ومنها سَبِخة مِلْحة لا تُنبت شيئًا، وفي الأرض الطيبة بساتين من أعناب، وجعل فيها زروعًا مختلفة ونخيلا مجتمعًا في منبت واحد، وغير مجتمع فيه، كل ذلك في تربة واحدة، ويشرب من ماء واحد، ولكنه يختلف في الثمار والحجم والطعم وغير ذلك، فهذا حلو وهذا حامض، وبعضها أفضل من بعض في الأكل، إن في ذلك لَعلامات لمن كان له قلب يعقل عن الله تعالى أمره ونهيه.